موند بريس

في حضرة مومس وسجارة

في حضرة مومس وسجارة

جريدة موند بريس
بقلم ضمير عبد اللطيف

نظر إلي طويلا،تأمل تقاسيم وجهي الشاحب،على غير العادة لم يبتسم،غالبته الدموع ولكنه استطاع أن يحبسها ،ثم هم بالرحيل وتبعته،اللاءحة لا تحتوي على اسماءنا،عام اخر من المعاناة ينتظرنا،طوال الطريق كان يرددها على مسامع المارة دون إهتمام بمن حولنا..."واخا نكونو يهود في هذا البلاد يعطونا حقنا وبزاف كاع"،كنت أنظر إليه ولربما اشاطره نفس الهم أو أكثر،لم نحصل على حقنا وغيرنا ممن لا يستحقون حصلوا عليه،إنها الحياة أحيانا تكون قاسية للغاية،ثم تذكرت وعادت إلي ذكريات الماضي..الحياة لم تكن رحيمة بنا طوال الوقت،منذ الصغر وحتى الآن ،الكل يسير عكس ما نريد.
كان علينا أن نقطع الطريق إلى الضفة الأخرى إلى المحيط الأطلسي لنستريح قليلا ،لنخفف من وقع المعاناة النفسية التي نعيشها،جلسنا نرسم الأحلام الناقصة كل منا يحاول أن ينسى الموضوع ولو بشكل مؤقت..اشعل سجارته ومد لي الأخرى،لم أفكر فيما افعل،إنها المرة الأولى التي أتحسس فيها هذا الشيء الملفوف،المرة الأولى التي سأضع ذلك الشيء الأبيض بين أصابعي ،انتابني خوف رهيب ،وكأن شيء ما بداخلي يدعوني إلى التراجع عن هذا الأمر...لم استطع نفسي تريد ذلك،تريد أن تغطي على خيبة الأمل التي نعيشها ..تأملت اول سجارة ادخنها كثيرا،ثم أخرجت الولاعة من جيبه وأشعلت اول سجارة ادخنها،بدى لي الأمر مثير للاهتمام واصلت استنشاق النيكوتين ..شيء ما بدأت أحس به ،احساس جميل ينتابني وكأني املك العالم كله ،تلاشت المعاناة ونسيت كل ذلك الحزن الذي رافقني..كان يسترق النظر خلسة إلي ،هو يعرف أنها المرة الأولى التي اقدم فيها على شيء كهذا الذي امسكه..ضحك ضحكة طويلة وقال لي "المعيطي ولا يكمي نسا ليا العالم ونعيش الحياة"..اعجبت بما قاله وكنت محتاجا لهذه الكلمات المؤثرة.
عدنا الى البيت الذي كنا قد استأجرناه،صوت الموسيقى الصاخب،كلاب وأشياء أخرى لأول مرة أراها في حياتي،شخص قصير القامة..بدين الجسم ،خشن الصوت على جسده الكثير من الاوشام والأشياء التي صنعها بنفسه بفعل المخدرات...مد لي مفتاح البيت واعطيته مبلغ المال الذي اتفقنا عليه مسبقا ..نظر الى الأوراق المالية وإلي ثم ابتسم وركب دراجته النارية البيضاء وغادر،بعد أن طمأننا بأن الأمور ستكون بخير وعلى ما يرام.
دخلنا إلى البيت رتبنا أمورنا بشكل كبير حيث تم وضع كل شيء بعناية فائقة..تناولنا القليل من الفواكه الجافة كنت قد احضرتها من البادية،وضعتها لي امي في محفظتي..أشار إلي لاكشمان بالخروج لنلقي نظرة على المدينة والالتقاء ببعض الأصدقاء الذين درسوا معنا..وافقت على الفكرة وان كنت قليل الخروج إلا للضرورة ،لأني من أشد الناس حبا للقراءة ومطالعة الكتب..كنا نسير نلتقي هذا ونصافح ذاك نتودد إلى كوثر وتبقي بعبارات الحب لوهببة وصديقاتها..المهم أن نخلق نوعا من الجو الذي افتقدناه منذ أعوام طويلة..كانت لي صديقة مخلصة لا أخفي مدى إعجابي الكبير بها ،ليس حبا كما خيل للكثير ولكنه إعجاب كبير،بالرغم من أنها كانت تكبرني..كنت ألجأ إليها كثيرا في كل الأمور التي كانت تصعب علي،كانت تأخذني في جولات ساحرة بجانب البحر،تتحفني بقصص الحب وعالم النساء،كان يعجبني ذلك كثيرا،عادة ما كنا نتبادل اللكم والسب والشتم،خاصة إذا ما نظرت إلى إحداهن،إن كيدهن عظيم...علمت فيما بعد انتقالي إلى الدار البيضاء أنها كانت تحبني لكن تصرفاتي وعدم اهتمامي بالحب اجباراها على الابتعاد عني والارتباط بشخص آخر..حيث غضبت ذات يوم وصرخت بأعلى صوت "ضمير شفتي انت مفيكش الإحساس واش كاين غا السياسة والفلوس..وبنادم وكاين شي حاجة سميتها الحب وبقى تابع الفلوس"...المسكينة يبدوا أنها لا تعلم شيئا عن الواقع الذي رافقني ويرافقني ،انا لا اصلح للحب يا كوثر..كانت تلك المرة الأخيرة التى نخرج فيها معا.
حوالي العاشرة ليلا عدنا الى البيت الذي تركناه قبل ثلاث ساعات لننام ،ونستقبل بداية أسبوع واول حصة من حصص الجامعة المملة..ما إن اقتربنا من بوابة المنزل الخارجية،حتى سمعنا أصوات عالية تنبعث من البيوت المجاورة ،بالمنزل العديد من البيوت والغرف المخصصة للكراء لأغراض سنعرفها لاحقا..اول ما وضعت رجلي وهممت بالدخول إلى صحن الدار حتى صدمت من هول المشهد..شابات وشباب في مقتبل العمر يعاقرون الخمر ويمارسون الجنس،موسيقى الشاب عقيل تملأ المكان..أوراق اللعب معدة بالشكل الصحيح الكل يدور كؤوس الخمر بكل أنواعه وأشكاله،أشياء كثيرة لم اتعرف إليها..دعاني أحدهم لتناول الطعام والشراب ولعب الأوراق،وافقت على ذلك دون تفكير،احب لعب الأوراق انا بارع في ذلك،أخذت مكانبي بجانب إحداهن كانت تدعى بهيجة كبيرة في السن ملامح الجمال والأناقة بدأت تغادرها،ناولتني كوبا من الخمر وسجارة وبدأنا،إنها المرة الثانية التي أشرب فيها الخمر..مرت ساعات ونحن نلعب تغلبت على الجميع بفضل مهارتي في اللعب واستجابة صديقي الذي يقابلني في اللعب،اصبحت الشخص المطلوب ليلعب معي الجميع...حان وقت النوم هممت بمغادرة المكان إلى بيتنا الصغير،تركتهم بعدما تمنيت لهم ليلة سعيدة..وجدت صديقي لاكشمان غاضبا للغاية لم أفهم شيئ مما قاله ،لقد كنت ثملا..في الصباح حاولت أن استيقظ من النوم لكني لم أتمكن من ذلك،وتغيبت عن الحصة الأولى وتوالى بعد ذلك الغياب...عدت الى النوم حتى الرابعة عصرا،سمعت صوت امرأة يناديني من أعلى البناية..إنها تعرفني وتعرف إسمي..تبعت الصوت الجميل حتى وصلت إلى أعلى البناية واذ بها بهيجة التي كنت بجانبها نلعب الأوراق..دعتني الى الغداء فرفضت ذلك ،وقلت بأني تناولت ذلك في البيت،امي عادة ما تحدرني من تناول أشياء لا نعرف أصحابها،فقد يكون "سحورا"او سما.
دعتني إلى الجلوس بجانبها،سمعت الكثير عن عالم الدعارة لكني لم أتمكن من أدخله حتى الآن،صدفة وجدت هذا اللقاء فرصة لطرح الكثير من الأسئلة التي كانت تجيبني عليها بحرقة ودموع،وهي تكرر بأنها ليست سعيدة بما تفعل ،هناك ظروف فرضت عليها ذلك،هي تحاول ان تكون سعيدة لترضي زبناءها بالليل وتنام أطراف النهار،قبل أن يحل مساء يوم آخر على صوت زبون آخر سيدفع لها إن هي أحسنت النوم معه وارضته بما يريد..كانت تحكي عن الحب والعلاقات الغرامية التي مرت بها وتحذرني من مغبة الوقوع في الحب.."مدير ثيقة ما تربي كبدة على بنت الساقطة حتى وحدة متستاهل،الرجال شلاهبية مكاين ثيقة فيهم...انت ولد زوين وهندي(تبتسم) شوف قرا وخدم وغادي هوما يجيو يقلبو عليك حنا راه بحال الكلبات حشاك"..الفكرة نفسها والكلام نفسه الذي كنت اسمعه من استاذتي..ثم اشعلت سجارتها ومدت إلي دراهم لأحضر لها علبة سجارة،وقبلتني قبلة حارة،مساء جميل هكذا رددت مع نفسي والأجمل من ذلك تعرفت على بهيجة التي علمتني أشياء تتجاوز حدود الأوراق والكتب ولن أنسى ذلك.
عاد لاكشمان من الجامعة وعدت إلى لعب الأوراق ومعاقرة الخمر ،فكل ليلة لها زوار جدد وأسماء جديدة ،أنواع البنات يختلف باختلاف نوع وعمل الشخص فهمناك الموظف المثالي وهناك أنواع أخرى من البشر،ليالي قليلة حضرت بهيجة السهرة الليلية لأنها بدأت تكبر في السن وبدأ يقل الطلب عليها،الأمر الذى كان يرهقها ويرهق تفكيرها.
طالت الأيام ولم نعد نتحمل ذلك ،بدأت امل لعب الأوراق ومعاقرة الخمر وحماقات البنات واحاديث بهيجة التي لا تنتهي،حيث قرر لاكشمان ان يغادر المكان مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن ،وفي ليلة مظلمة باردة من ليالي خريف أكتوبر ،واثر مشاداة كلامية مع صاحب المنزل طردنا ليلا نحمل اسفارنا وامتعتنا ،لا صديق نلجأ إليه أو قريب نبيت عنده،منتصف الليل ،لا طير يطير ولا شخص يسير المكان مجرد اشباح،فكرنا في ان نبيت في مكان أكثر امنا،واستقر بنا الحال على كافة شاطئ المحيط الذي نلجأ إليه كلما اشتد بنا الحال..



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 2
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
  1. تعليقات الزوار