موند بريس

غسان كنفاني يجسد العروبة من خلال رجال الشمس.

غسان كنفاني يجسد العروبة من خلال رجال الشمس.

موند بريس :
بقلم ضمير عبد اللطيف

قراءتي الأولى لغسان كنفاني الكاتب الفلسطيني الشهير ،بالتأكيد لن تكون الأخيرة ،لروايته رجال من الشمس.
بعيدا عن إسقاطات الأحداث العربية والفلسطينية على أرض الواقع والبعد الروائي الرمزي الذي وظف بشكل مميز، لم أتعجب إذا تم تحويل هذه الرواية إلى فلم سينمائي.
الأحداث التي تسرد عبر تنايا الرواية متتابعة، بحيث ان المشاهد تتقاطع وكأنك في قاعة سينما أمام سيناريو باللونين الأبيض والأسود ...تنتقل من حَدَثٍ لآخر..مع حفاظ كنفاني على ترابط الأحداث وإن اختلف الزمان والمكان وهو في الحقيقة ليس اختلافا إلا في نفس الكاتب فكل الأزمنة والامكنة تكاد تجتمع في الأراضي الفلسطينية وان كان أهلها يريدون الخلاص والذهاب إلى بر الأمان بالكويت ولكن السائق الغبي غير قادر على تحقيق ذلك.
لم تعتمد الرواية على جمال الوصف واللغة، بقدر ما ركزت على معالجة نفسيات الشخوص ودواخلهم المنكسرة في مواجهة الهزيمة المرة على أرض الواقع ،الهروب نحو أحلامهم،وإن كانت الرحلة أشد وطأة من الظروف التي يعايشونها.
تحكي الرواية قصة ثلاث شخصيات يمثلون ثلاثة أجيال من الشعب الفلسطيني..تبرز واقعهم في تلك الفترة العصيبة...وتطلعهم للبحث عن مخرج..الذي قادهم لمحاولة الخروج إلى الكويت بحثا عن فرصة عمل وحياة جديدة...فانتهى بهم الحال إلى الموت داخل الخزان،خزان وقود الشاحنة...احترقوا بنار الداخل وبرودة العالم تجاه قضيتهم.. باختصار لقد ماتوا ودفنوا ولم يحرك العالم ساكنا، ماتوا كما تموت الحيوانات أو أشد من ذلك ،فحتى الحيوانات أضحت لها قيمة في زمن فقدنا فيه القيمة نحن العرب والمسلمين.
الرمزية في الرواية تشير للحلول التي طرحت...والدور الذي لعبته القيادات الفلسطينية...والحدود التي كانت جزءا من تفاقم المأساة...أبو الخيزران أشار من خلاله الكاتب إلى من انتهج الحرص على المصلحة الشخصية على حساب المصلحة العامة...والذي لم يمنعه حزنه من نبش جيوبهم أثناء إلقائهم خارج الخزان على إحدى مزابل الكويت...أبو الخيزران سائق الشاحنة الذي كان همه الوحيد هو مصالحه دون النظر إلى الركاب الذين كانوا معه، يعد مثالا لمن فقدوا رجولتهم لما تخلوا عن قضيتهم وخبأوا جرحهم وتعايشوا مع الواقع إنه مثال مصغر عن حكام العرب والمسلمين الذين تخلوا عن قضيتهم الأولى وسارعوا إلى عقد مؤمرات سلام مذل مع الكيان الصهيوني سواء كان ذلك ظاهرا أو من تحت الطاولة ...بل حرصوا على الاستفادة منه...بعيدا عن البحث عن حل للقضية.
انتهت الرواية بصرخة مدوية: لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزّان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
ربما فعلوا ولكن لم يسمعهم أحد!!
وربما قتلهم الأمل بأن الدقيقة القادمة تحمل لهم الخلاص!
وربما هي صرخة انتقاد للاستسلام للأمل الزائف بأن يأتي الحل من خارج الحدود!
ما أنا على ثقة منه أن غسان كنفاني دقّ الخزان...معلنا التحذير من نهاية محتومة إن استسلمنا للواقع.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار