موند بريس

ما بعد الوزارة

ما بعد الوزارة

موند بريس / سعيد هوبال

العديد من الوزراء و الشخصيات العمومية لا تطرح سؤالا مهما ألا وهو ماذا بعد المسؤولية ؟ لأن الإنسان بطبع و تكوينه يتلذذ كرسي المسؤولية و يطيب له و يبدأ يصول و يجول و ينهي و يأمر و لا كلمة فوق كلمته ، و الناس يتسابقون عللى خدمته و مجاملته و أحيانا نفاقه و نفخه ... و ينسى حقيقته و يصدق ما حوله .
و القليل من المسؤولين من حافظ على صداقاته و غلب طبعه الأصلي على إغراء الكراسي و المناصب و حاول أن يستثمر في العلاقات الإنسانية بل استغل منصبه لقضاء أغراض الناس و خدمتهم و قضاء حاجاتهم ، و حينما أعفي من منصبه لم يجد صعوبة من التكيف مع وضعه الجديد ما بعد " التكرديعة " عكس آخرين إما فضلوا المنفى الاختياري و اختفوا عن الأنظار ، أو عاشوا عيشة البعير الأجرب و ظلوا يتجرعون مرارة نظرات الشماتة و الإهانة و التشفي و أحيانا الكراهية لأنهم " مادارو خير " و لم يفكروا في زمن العد العكسي .
و أنا اعرف العديد كما يعرفهم المغاربة كانوا وزراء و قضاة و عمال و ولاة و عمداء و غيرهم " ما بقاو يسواو حتى بصلة " بعد الإعفاء أو التقاعد و لم يعد أحد من المواطنين يمد يده ليسلم عليهم ، فمرة قابلت وزيرا سابقا و كان في أوج مساره السياسي و الكل يتحدث عنه و الصحف تتسابق لمقابلته و كان صديقا حميما لي قبل الوزارة و يتردد على بيتي بشكل متواصل فقلت له : حذاري من تصديق ما يقوله لك من يحيطون بك لأنك لو أمعنت الاستماع إليهم ستنتهي كما ينتهي الكلاب ، فلم يعد منذ ذلك اليوم يتصل بي بل غير كل أرقام هاتفه و غير أصدقاءه بل غير حتى زوجته المسكينة التي ناضلت معه ، بنى فيلا من النوع الرفيع بعد أن كان يسكن في شقة تابعة للأملاك المخزنية و أصبحت الزوجة الجديدة هي الأخرى تأمر و تنهي و تركب في سيارات الدولة كما يركب أبناؤها و أفراد عائلاتها ، و التقيته و قد أوشكت ولايته على الانتهاء في إحدى المهرجانات فسلم علي و قال لي : لقد بلغني بأنك " مقلق علي " فأجبته بالعكس أنا جد فرحان أن يصل أعز أصدقائي لمنصب وزير و لكن القلق الحقيقي مصدره هل ستحافظ على صداقتك مع كل الناس ؟ هل ستحافظ على صداقتك مع نفسك ؟ هذا هو المهم لأنك مع كامل الأسف استمعت لأصوات أناس سرعان ما سينفضون من حولك مع انتهاء الوزارة و لن تجد ما تركت ، و حاول إقناعي بأنني لو كنت مكانه لفعلت نفس الشيء ، و لكنني أعطيته أمثلة عديدة مرت من هذا المنصب و حافظت على الأصدقاء و الزوجات و ... إلخ فغضب و لم يعجبه كلامي مرة أخرى ، فقلت له هناك أشياء سأقولها لك الآن و سوف أغتنم هذا الحيز الزمني الذي تكرمت على به و هناك أشياء أخرى لن أقولها لك احتراما لمنصبك و سوف أؤجلها إلى ما بعد الوزارة ، فقال لي ابدأ بالأولى ، فقلت له : أنت مثقف و لك تكوين سياسي جيد و ما كان عليك أن تقبل أصلا بهذا المنصب لأنه كان طعم و مصيدة لك من طرف حزبك ... إلى غير ذلك من أشياء اخرى .
و لما انتهت الوزارة و صادفته في نادي رياضي يحتسي شرابه المفضل و كان منعزلا و في حالة نفسية جد متدهورة ، أشفقت عليه و لم أقل له ما وعدته به بعد الوزارة .

سعيد هوبال



نشر الخبر : Administrator
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة