موند بريس

العلاقة الجدلية بين المغرب ودول الخليج.

العلاقة الجدلية بين المغرب ودول الخليج.

موند بريس / محمد أيت المودن

تذكر كتب التاريخ، ان أرض الحجاز شكلت بالنسبة للمغاربة منذ ظهور الإسلام٬ وجهتهم السنوية المفضلة نحو الديار المقدسة٬ فكانوا يتوجهون فرادى وجماعات قاصدين البيت الحرام والمدينة المكرمة من اجل اداء مناسك الحج وزيارة قبر الرسول، وشكلت تلك الرحلات اهتماما بالغا من قبل سلاطين المغرب، حيث كانوا يحرصون على امدادها بالهدايا ومن تلك القوافل التي ذكرتها كتب التاريخ ، بعثة السلطان السعدي الوليد بن زيدان التي زودها بالذهب اكراما للبيت، وبعثة علوية ترأستها زوج السلطان المولى اسماعيل، الفقيهة خناتة بنت بكار.
وتضيف كتب التاريخ ايضا ان العلاقات الرسمية التي تربط المملكة العربية السعودية بالمملكة المغربية يعود تاريخها الى عام 1957 م، و كانت عبر هذه الحقبة الزمنية يسودها كثير من الانسجام والاحترام المتبادل، و التوافق في العديد من القضايا السياسية اقليميا ودوليا، الى جانب التعاون المشترك والروابط الاخوية والتاريخية التي توحي بان ما يجمع المملكتين اكبر بكثير من ان يتزعزع بفعل طيف سياسي، او تغريدات جانحة او كيد الكائدين.
وبإجماع الملاحظين الدوليين، فإن هذه العلاقة تعد من أكثر العلاقات استقرارا وانسجاما، حيث انتقلت من مجرد صداقة إلى شراكة استراتيجية أكثر قوة ومثانة من سابقاتها على المستويات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية، شراكة تمتد من شمال أفريقيا إلى غرب آسيا، محورها المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي.
الا انها اصيبت أخيرا بنوع من الفتور، واعترتها العديد من الشوائب، وباتت مهددة بالانفصال بفعل الخلاف الحاصل في بعض القضايا التي تدخل في اطار استقلالية اتخاذ المواقف، واحترام مبدأ السيادات ، وعدم رغبة المغرب في الانجرار الى كل ما يؤدي الى تأجيج الصراع العربي العربي، وتعميق جروحه، وتفتيث وحدته وتدمير اقتصادياته في افق تحويله الى طعم سائغ يسهل امتصاص خيراته، وانتهاك حرماته واستيلابه فكريا واقتصاديا…
وكتيمة مشتركة، نجد بعض الدول العربية ،ما انفكت تنسلخ عن تقاليدها الاصيلة، وقيمها النبيلة، وتستبدلها بالمظاهر والبروتوكولات البالية، تحلل ما حرم الله، وتحرم حلاله، يكفيها إشارة بسيطة، أو رمشة عين، أو كلمة ثناء من الرئيس الامريكي دونالد ترامب او من احد صقوره، لتجويع شعب مسلم، أو الدخول في حرب ابادة،أو محاصرة دولة عربية و معاقبتها بدعوى رعايتها للارهاب، أو رفضها الدخول في تحالف جائر، أما عن التطبيع مع العدو الصهيوني، عفوا كلمة ” عدو ” لا تليق بشعب أسرائيل المختار، الذي يغتصب ويقتل ويرهب بمباركة عربية, فلا يسمح بعد عامنا هذا، بالدعاء عليه في الخطب الدينية، و لا يجوز تحاشي الجلوس معه جنبا الى جنب، والتفاوض معه على المباشر في الملتقيات الدولية وكل المناسبات …..، وخلاصة القول، هناك سياسات مطبوعة بالشخصنة والأنى … قرارات مجحفة احيانا، ومتناقضة احيانا اخرى… تقلبات مزاجية بمعدل 360 درجة، وعلامات استفهام تبحر في عالم متقلب، يشي بمخاطر وتهديدات لا تملك لها الشعوب المغلوبة على امرها، سوى الدعاء بأن يحفظ عموم دول العربية والاسلامية، ويقيها شر المتربصين بالسلم والامن والامان، من الاعداء والخصوم اجانب كانوا، أو أبناء جلدتنا من المغرر بهم والمتطرفين والخونة .
الدول العربية للأسف، بدلا من أن تصب جهودها في خدمة شعوبها، وتنمية مواردها الطبيعية والبشرية والمالية..، والعمل على بناء السلم الاجتماعي والرخاء الاقتصادي في اطار دولة الحق والقانون التي تضع المواطنين سواسية امام القانون، لا تمييز بينهم بسبب الأصل أو الجنس أو اللون أو المركز الاجتماعي، ولا عبث بحقوق الأجانب وحرياتهم …، نجدها تغرق شعوبها في حروب ونزاعات اقليمية، وتتمادى في رفع الاسعار، وتقليص فرص الشغل، وفرض الاثاوات على المقيمين بها، وتضييق الخناق على العلماء ورجال الدين، إلى جانب التنكيل بالمعارضة ومحاصرتها ، والأنكى من ذلك، فهي متعنتة في مواقفها الدولية، غارقة في صراعاتها الطائفية و المذهبية والعرقية ، متعصبة لمواقفها وكأنها نص قرآني إلزامي للجميع، تحرم معارضته او حتى مناقشة حيثياته، ويعاقب كل مخالف لنصوصه، مستبدلة مقولة ” الاختلاف لا يفسد للود قضيه”، ب “ إذا لم تكن معي فأنت ضدي ” . .
المغرب و عقب اندلاع الأزمة الخليجية، عبر عن موقفه من الصراع الذي تخوضه السعودية والامارات والبحرين ومصر مع قطر، وهو موقف الحياد الإيجابي، الذي يؤهله للعب دور الوساطة إذا أبدت الأطراف المعنية رغبتها في هذه المهمة، مذكرا أن المغرب رغم بعد المسافة الجغرافية، يعتبر نفسه معنيا باستقرار وامن دول الخليج، ولن يسمح لنفسه باقحام انفه في الشؤون السياسية لاي دولة، ومصادرة استقلال قراراتها السيادية كدولة عربية . وظل يذكر بالتضحيات التي قدمها ويقدمها المغاربة سواء في حرب الخليج الاولى، او في الحرب ضد اليمن ،او فيما يخص العلاقات مع ايران، او في مواقف عديدة مع اشقائه بدول الخليج.
هذه التأكيدات جاءت على اثر مجموعة من التصريحات التي اطلقها مسؤولون سعوديون غاضبون من القرارات التي اتخذها المغرب، والتي تخالف التوجه العام للسعودية، وقد جاء على لسان الأمير بندر بن سلطان رئيس مخابرات السعودية السابق :” ان الدول العربية عليها ان تنهج سياسة السعودية اولا ، والخسارة لمن يعاديها “,
ومن الأمثلة الحية، تغريدة السيد تركي ال الشيخ رئيس هيئة الرياضة والمستشار بالديوان الملكي السعودي، التي تحمل في طياتها اقصى ايات الاستفزاز والتعصب، معتبرا أن المغرب أخطأ البوصلة وهو يبحث عن الدعم العربي الخليجي ، بخصوص ملف ترشيح المملكة المغربية لاحتضان مونديال كاس العالم 2026 ، وان السعودية ستساند من يخدم مصالحها العليا لان اللون الرمادي لم يعد مقبولا لدينا “.
وفي الاتجاه نفسه، سارع مرتزقة بعض الفضائيات ممن يصطادون في الماء العكر، يبحثون عن كل ما يمكن ان يعجّل في التفْريق بين مملكتين شقيقتين، و يمزّق ما تبقى من خيوط الربط العربي العربي، باستفزاز المغاربة، والاعلان عن امكانية التراجع عن مساندة المغرب في ملف الصحراء المغربية، والتعامل معه من زاوية أنه ضمن ملفات تصفية الاستعمار ، متوهمين ان مثل هذه الاساليب الدنيئة سترغم الرباط على مراجعة حساباتها، وتنصاع لإملاءات السعودية او غيرها.
ومجمل القول، فالمغرب سواء كسب رهان تنظيم المونديال ام لا ، وسواء لقي دعم اشقائه في استقرار المنطقة المتنازع عليها أم تخلوا عنه، فإنه قادر على شق طريقه بصمود وثبات ، سائر في طريق بناء الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، مصر على دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة، فسيبقى مستقلا برأيه، ملتزما بمبادئه، وسيسجل التاريخ انخراطه القوي في التصدي لمجموعة من المحاولات التي تتغيى المساس بسيادة دول المجلس الخليجي، كما يسجل التاريخ قيامه بقطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران في شهر مارس عام 2009 ، بناء على طلب السعودية. وغيرها من المواقف التي لا يتسع المجال الزمني لسردها بالكامل، بالمقابل لم يسبق لأي دولة خليجية أن تضامنت بالقوة نفسها مع المغرب، سواء ضد الجزائر أو غيره، يسجل ايضا ان المغرب دائما يعبر عن مواقفه علانية، ويتماهي مع دول الخليج في عدة ملفات، مما يجعل منه خصما لإيران ولأطراف أخرى ليس من مصلحته استعداءها. ورغم ظلم ذوي القربى فسيبقى منسجما مع مبادئه المبنية على الوسطية والاعتدال والتسامح، وتطلعاته من اجل وحدة الصف العربي واستعادة كرامته المهدورة.،



نشر الخبر : Administrator
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة