موند بريس

زراعة الأعضاء بين القواعد الفقهية و القوانين الوضعية ( من إعداد طالبة سارة زعاف في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بن مسيك )

زراعة الأعضاء بين القواعد الفقهية و القوانين الوضعية ( من إعداد طالبة سارة زعاف في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بن مسيك )

موند بريس
كما نعلم أن زراعة الأعضاء من العلوم الطبية التي أحدثت ثورة هائلة في كل من المجال الطبي ، و الديني ، و القانوني .
فلكل إنسان الحق في التداوي فالطب كالشرع، وضع لجلب مصالح السلامة والعافية ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام".
وقد علم من الشرع بالضرورة مشروعية التداوي، وأن حكمه في الأصل الجواز، توفيراً لمقاصد الشرع في حفظ النوع الإنساني، المعروف في ضرورياته باسم " حفظ النفس".(1)
فعن أسامة بن شريك قال أتيت النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير ، فسلمت ثم قعدت فجاء الأعراب من ها هنا و ها هنا ، فقالوا ، يا رسول الله أنتداوى؟ فقال : « تداووا ، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء ، غير داء واحد الهرم ». وهذا الحديث أصل في مشروعية التداوي . (2)
فالسؤال المطروح عند عموم الناس هل يجوز التبرع وزراعة الأعضاء ؟
فمن الجانب الديني فقد اهتم الفقهاء على الإجابة على هاته النازلة و تنزيل حكم شرعي لها مع ظهور " تمثلان تيارين غير متساويين في أعداد الآخذين بكل رأي ، مع ملاحظة تنامي الاتجاه القائل بالإباحة " (3)
فالقائلين بإباحة زرع الأعضاء اعتمدوا على القواعد الفقهية " فهي أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكامها تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل موضوعها " (4) ، و من أهم هاته القواعد التي اعتمد عليها الفقهاء في هذا الموضوع :
(الضرورات تبيح المحظورات ) . فاستطاع جزء من الحي أو الميت أمر ممنوع شرعا ، إلا أنه يصبح مباحا عند و جود ضرورة ، من إنقاذ حياة مريض يغرس ذلك الجزء فيه . وحد الضرورة أن المضطر إذا لم يتعاط المحرم هلك أو قارب على الهلاك ، كإزالة الغصة بشرب الخمر إن لم يتوفر غيره ، فالضرورة هي الحالة الملجئة إلى ما لا بد منه و أيضا استنادا إلى القاعدة الفقهية : ( إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمها ضررا ) ، و (يختار أهون الشرين ) ، فحرمان الأحياء من الاستقطاع أشد ضررا من إنتهاك حرمة الميت ، لذلك أجازوه . و الضرورة في الاستقطاع بقصد الغرس قد تكون واضحة ، كحال مريض مصاب بقصور قلب شديد ، و شارف على الهلاك بسبب ذلك ، و لم يبق هناك أمل لإنقاذ حياته سوى استقطاع قلب من ميت لغرسه في جسمه . إلا أنه أحيانا لا يكون الأمر فيه الضرورة ، و إنما يكون من قبيل الحاجة إليه ، و مثال على ذلك المريض المصاب بالفشل الكلوي، فهو إن لم يجر له غرس كلية يستطيع العيش على أجهزة الكلية الصناعية ، ولكن مع معاناة و مضاعفات . ففي مثل هذه الحالة هل يجوز استقطاع كلية ميت لغرسها في المريض ؟.
أفتى بعض الفقهاء بجواز مثل هذه الحالة ، و ذلك اعتمادا على قاعدة : (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أم خاصة ). و الحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيرا أو تسهيلا لأجل الحصول على المقصود فهي دون الضرورة . و هذا إلى جانب الكثير من القواعد الفقهية و منها و أن المشقة تجلب التيسير ، و أنه إذا اجتمعت مفسدتان روعيت الأخف.(5)
القانون الوضعي :
فنمر إلى المشرع المغربي الذي جاء بالظهير 22 شوال 1371 ( 15 يوليوز 1952 ) المتعلق بالأخذ الذي تضمن مجموعة من المواد المنظمة له من كل ما قد يقع من انتهاك للإنسان و المساس بسلامة جسمه . و من أهم ما تضمنه هذا القانون :
شروط الزرع ( رضى الواهب ، و توعيته ، المجانية ، مراكز استشفائية عامة معتمدة ، سرية الهوية )
كمثال لما تضمنته سرية الهوية : لهذه القواعد العامة حيث " لا يجوز للمتبرع ولا لأسرته التعرف على هوية المتبرع له، كما لا يجوز كشف أي معلومات من شأنها أن تمكن من التعرف على هوية المتبرع والمتبرع له، باستثناء الحالات المنصوص عليها في المادة 9 أو إذا كان ذلك ضروريا لأغراض العلاج." وكل كشف دون سند قانوني يعرض صاحبه للزجر حسب مقتضيات المادة 32. أما في المادة 9 لا تجيز المعرفة بين المتبرع و المتبرع له بل لابد من وجود علاقة قرابة حددت في اصول و فروع و الأخوة و العمومة و الخؤولة و أبناء الخؤولة ، بخلاف المشرع الفرنسي الذي ضيق دائرة المتبرع لهم في الأخوة و الأخوات التوائم و الأشقاء ، أما الإخوة غير الأشقاء فإن بعض الفقهاء الفرنسيين استبعدهم لعدم وجود قرابة وثيقة الصلة و لوجود شخص ثالث لا يحرص على مصلحة شخص واحد ، وهذا الشخص هو زوج الأم أو زوجة الأب . كما يمكن أن يكون الأخذ لفائدة زوج أو زوجة المتبرع شريطة مرور سنة على وزاجهما .(6)
و شمل أيضا القانون الشروط الخاصة بنقل الأعضاء من شخص حي إلى آخر وفق شروط منها : الغرض العلاجي الموافقة الكتابية كمال أهلية المتبرع أو الموصى.
غير أنه تشدد عن باقي الدول في مسألة أنه أكثر من سلطة في توثيق عملية الموافقة و من دون تحديد اختصاصات كل جهة مما ينافي مبادئ القانون العام و الدستور ، فيما يخص فصل السلط .و أيضا كان المشرع المغربي أكثر تشددا بشأن إجراءات توثيق موافقة المتبرع .
ففي ظل كل هاته المجريات تظل عمليات زرع الأعضاء تشوبوها الكثير من المعيقات لا من الناحية الشرعية ولا القانونية و عليهم مواكبتها لسلامة الإنسان .
مصادر و مراجع :
1- التشريح الجثماني و النقل و التعويض الإنساني لفضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس الفقه الإسلامي (ص) 10
2- أخرجه أبوا داود ، كتاب الطب ، رقم 3357 . الترمذي ، كتاب الطب ، 1961 . و ابن ماجه ، كتاب الطب ، رقم 3427 . أحمد مسند الكوفيين رقم 17726 .
3- البحوث الفقهية لدكتور مصطفى بن حمزة عضو المجلس العلمي الأعلى (ص) 321
4- كتاب التقعيد الفقهي و المذهب الظاهري لدكتور سعيد اجديرا (ص) 8
5- موت الدماغ بين الطب و الإسلام لدكتور محمد نعيم الدقر (ص) 201 و 202
6- نقل و زرع الأعضاء لرجاء ناجي مكاوي (ص) 304-305
7- http://adala.justice.gov.ma/production/html/ar/40741.htm






نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار