موند بريس

تثبيت دعائم الصلح في المحاكم الأسرية

تثبيت دعائم الصلح في المحاكم الأسرية

مما لاشك فيه أن الشريعة الإسلامية جاءت وافية بمصالح العباد، وقد عنيت بالأسرة باعتبارها اللبنة الأولى للمجتمع والأمم، فشرعت لهم الزواج وحثت عليه، ولدرجة اعتبر الزواج إحدى آياته الإعجازية، عندما قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}، والذي يكون من ثمراته الرحمة والمودة والإحسان بين الزوجين والتناسل لبقاء الجنس البشري يعمر الأرض حتى يبلغ الكتاب أجله.
لا تتحقق هذه المقاصد والأهداف السامية إلا إذا حسنت العشرة بين الزوجين، ولكن إذا ساءت العشرة الزوجية وتنافرت الطباع والأخلاق واستحكم الشقاق. فقد تحدث أمور تعكر صفو العلاقة الزوجية وفي كثير من الأحيان تصل لدرجة وضع حد لها وإنهائها.
وانطلاقا من حرص الشريعة الإسلامية على الحفاظ على العلاقة الزوجية وتفادي انحلالها فقد شرعت وبينت وسائل ذلك، ومن أهمها باب الصلح ليحافظ على العلاقة الزوجية وعدم تفككها وانحلالها.
يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: {واإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما}، و يقول عز وجل: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نوتيه أجرا عظيما}. وقال سبحانه وتعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}.
إن هذا التشريع السماوي يؤكد لنا مدى المكانة البارزة التي يحتلها الصلح في الإسلام، إذ به تزول الخصومة بين المتنازعين بالتراضي، ولعل هذا ما يفسر الإهتمام الكبير الذي أولته كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، خاصة وأنه يعتبر إحدى الوسائل الناجعة التي يتم اللجوء إليها قصد الفصل بين المتنازعين، وإنهاء الخلافات بشكل ودي بدل حسمها بحكم قضائي مجحف يصدر لصالح أحدهما الذي قد يكون ألحن بحجته من خصمه.
وقد أجمعت السنة النبوية الشريفة، والخلفاء الراشدون، وبقية الصحابة، والتابعون وجمهور الأئمة على مشروعية الصلح، وعلى امتداد التاريخ حافظ الفقهاء والقضاة على الصلح كآلية مثلى لحل النزاعات، وكمقصد من مقاصد الإسلام الداعية إلى نشر المودة، والألفة، وإحلال الوفاق مكان الشقاق.
ومن جانبه صار القضاء المغربي منذ القدم على إعتماد الصلح كوسيلة لتسوية الخصومات، جاعلا منه إجراءا جوهريا، وضروريا لفض هذه النزاعات، فأفرد له عدة نصوص قانونية سواء في القانون المدني، أو قانون المسطرة المدنية، أو مدونة المسطرة الجنائية أو مدونة الأسرة الجديدة، كما عمل على تنظيمه وتقنينه خاصة عندما يتعلق الأمر بالمنازعات الأسرية التي تكتسي طابعا خاصا يتمثل في علاقتها بالمجتمع ككل.
ولعل هذا ما دفع بالمشرع المغربي إلى التأكيد على إلزامية الصلح في العديد من القضايا الأسرية، عن طريق اتباع إجراءات مسطرية مفصلة، تمارس تحت إشراف القضاء ومراقبته، خصوصا تلك المتعلقة بدعوى انحلال ميثاق الزوجية.
غير أن هذا الصلح في مجال الأسرة يظل يواجه عدة صعوبات تحول دون الوصول إلى الهدف المنشود، الذي يظل رهينا بالتطبيق السليم للنصوص القانونية من قبل الفاعلين والعاملين، في الحقل القضائي، مع غياب مجموعة من الشروط الموضوعية الكفيلة بضمان نجاح مسطرة الصلح.
من أجل كل هذه الأمور تأتي هذه الدراسة العلمية تحت عنوان: [تثبيت دعائم الصلح بالمحاكم الأسرية]، و تتجلى أهمية هذه الدراسة المتواضعة في كونها تسلط الضوء على إحدى الآليات المهمة في حل المنازاعات والخلافات الأسرية، سواء فيما يتعلق بالجانب النظري أو العملي. كما أنها أثارت العديد من المشاكل و الصعوبات القضائية الواقعية المتعلقة بمسطرة الصلح.
وفيما يتعلق بمنهج الدراسة، فقد اعتمدت منهجا استقرائيا تحليليا مع الإستعانة ببعض المقاربات والمعطيات الإحصائية، فقسمت بحثي إلى قسمين، ذيلتهما بخاتمة وملحق يتضمن بعض الوثائق الرسمية المستمدة من بعض الوزارات، والمحاكم المتخصصة، وبعض الندوات المنظمة
من طرف مؤسسات حكومية ومراكز خاصة، بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني التي لها صلة بالموضوع.
وقد تناولت في الفصل الأول مفهوم الصلح، أدرجته فيه مبحثين خصصت الأول منه لتعريف الصلح في اللغة وفي الاصطلاح الفقهي، وتعريفه كذلك في القانون الأسري المغربي مع مقارنته في فقرة رابعة مع قوانين الصلح في كل من الجزائر وتونس، ثم بعد ذلك تناولت الحديث عن أركان الصلح، ومشروعيته في كتاب الله، و سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وفي المبحث الثاني، تطرقت إلى التأصيل التاريخي للصلح في المغرب، مؤكدة على أن الصلح في العمل القضائي قديم بقدم التاريخ منذ أن كان التقاليد العرفية هي السائدة إلى ما بعد الفتح الإسلامي، ثم ما بعد الإستعمار الفرنسي إلى حين صدور مدونة الأسرة سنة 2004.
أما الفصل الثاني، فقد خصصته لدراسة الصلح الأسري من الناحية العملية وذلك من أجل الوقوف على واقع مسطرة الصلح في التطبيق الأسري فقسمته بدوره إلى ثلاثة مباحث، خصصت المبحث الأول لصلاحيات محكمة الأسرة في إجراء مسطرة الصلح، خصوصا في قضايا الطلاق
والتطليق، مشيرة إلى المؤسسات المرصدة للصلح. أخص بالذكر محكمة الأسرة، ومؤسسة الحكمين ومجلس العائلة.
أما في المبحث الثاني، فقد تناولت فيه الصعوبات التي تعترض مسطرة الصلح في عدم تفعيل مؤسسة الحكمين على المستوى العملي مع غياب دور مجلس العائلة في فض النزاعات الأسرية.
وأخيرا تناولت في المبحث الثالث بعض الحلول الكفيلة بتفعيل آلية الصلح في النظام القضائي، الأسري المغربي، مع ضرورة إعادة النظر في مسطرة الصلح الحالية، والتفكير في وضع إستراتيجية جديدة من شأنها أن تضمن فعالية، ونجاعة مسطرة الصلح في قضايا الأسرة.
وعموما يمكن القول بأن أهم نتيجة خلصنا إليها من خلال هذه الدراسة العلمية المتواضعة هي شساعة الفرق بين التنظير القانوني والواقع العملي، مما يدعو إلى التعجيل بنزع إختصاص إجراء المحاولة الصلحية من يد القضاء الذي يعاني من إكراهات وصعوبات واقعية تواجهه أثناء تطبيق مسطرة الصلح، وضرورة إحداث مؤسسات، ومراكز خاصة بالوساطة الأسرية تسند إليها مهمة إصلاح ذات البين، و يتم اللجوء إليها إجباريا قبل رفع الدعاوى أمام محاكم الأسرة، وذلك من أجل ضمان التطبيق السليم لمسطرة الصلح، عن طريق تفعيل دور مؤسسة الوسيط في الصلح الأسري، وذلك بتأهيل الوسيط الاجتماعي أو الوسيط الأسري وجعله قادرا على القيام بمهمة الصلح الأسري قبل أن يلجأ الطرفين المتنازعين إلى المحاكم، لأن ركوب قطار الحلول البديلة أصبح مطلبا ملحا وممكنا لتلافي تراكم القضايا بمحاكمنا، ولضمان حل ودي ين الطرفين ووضع حد للنزاع القائم بينهما من أجل استمرار الحياة الزوجية عملا بقوله تعالى: {والصلح خير}.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار