موند بريس

دلالة التأويل في رواية "نوارة" للباحث "المهدي قنديل"

دلالة التأويل في رواية "نوارة" للباحث "المهدي قنديل"



موند بريس: المهدي قنديل


يعتبر النص السردي المعنون ب"نوارة" محاولة من محاولات الكاتب تأويل الواقع في نسيج خيالي رامز، يحقق كينونته في التفاعل مع تفاصيل الحياة وشذرات الهموم الإنسانية المشتركة عبر حياة شخوص تتخبط في مشاكلها داخل النص، باحثة عن التغيير المتملص بين سيول الذاكرة ليتماها مع طبيعة الإنسان المعاصر المثخن بأوجاعه والمأسور بآلامه وآماله رغبة في التجديد. عبد الإله رابحي في نصه هذا (نوارة) يغوص في تصوير صراع الإنسان مع مشاقات الحياة، طارحا مجموعة من الأسئلة الفلسفية والوجودية تعبر عن وعي الكاتب بوعيه الكائن - الذي يظهر في المعاناة التي يعيشها سكان الحوش-، وذاكرته الجماعية المتمثلة في ساكنة، الساكنة التي يمثلها عدد من المثقفين في النص يشكلون طرفا من الذات الحاكية(العربي بطل الرواية) والذي يتحدث بصوت جيل ستينات القرن الماضي، خصوصا أبناء القرى الذين عايشوا فترة سميت بالحماس الوطني الذي أعقب فترة الاستعمار والرغبة في التحرر الوطني.
إذا كان الكاتب قد اختار لنصه عنوان "نوارة" الذي يحيل إلى الضوء والنور والزهور البيضاء المعبرة عن الأمل، فإنه يحاول إخفاء حقيقة الضرر الذي تعاني منه الشخصية داخل النص، و إيهام القارئ بأن العنوان يوحي إلى الصفاء، وبناء المستقبل الزاهر وخلق ذلك الوعي الممكن بدون خرق أفق الانتظار. بلون أحمر يحيل على الحب لا الدم لعله يعطي للشخصية المحورية أملا في تحقيق رغباتها، هذا الأمل هو الذي يبدو واضحا في شخصية نوارة بعدما عاد إليها العربي بعد طول غياب في ديار المهجر.
نوارة وإشكالية التجنيس:
يطرح نص إشكالية التجنيس، حيث وضع له مؤلفه عنوانا صغيرا (نص سردي) خلخل به انتباه القارئ و تركه معلقا في وضع انتمائه إلى الجنس أولا ( الرواية أو القصة....إلخ ) ثم النوع الذي يمكننا أن نحدده من خلال ما نستشفه من داخل عوالم النص.يقول الناقد عبد الفتاح كليطو في كتابه الأدب و الغرابة : " هناك عناصر أساسية و عناصر ثانوية إذا لم يحترم النص العناصر الثانوية فإن انتمائه لا يتضرر،أما إذا لم يحترم العناصر الأساسية المسيطرة فإنه يخرج من دائرة النوع و يندرج تحت نوع أخر....". و لعل نص نوارة هذا احترم فيه الكاتب عناصر السرد المتمثلة في البناء الدائري الذي يسميه جيل دولوز بالبداية والوسط والنهاية و سماه ادريس نقوري بالاستدارة . حيث استهلها بخروج العربي من البلدة لمتابعة دراسته ثم العمل بالديار الأوربية و زواجه من المسيحية ماريا و تحسن الوضعية الاجتماعية ليعود في النهاية إلى بلده الأم.ثم عنصر الحبكة الظاهر في إلحاح العربي على بيع الأرض و الذهاب إلى أوربا و التخلي عن مبدئ و قيم الأسرة المحافظة التي تربى بين أحضانها و التنصل عن الهوية الوطنية و الثقافية، لكن عنصر الانفراج سيبين مدى حب الشخصية لوطنها و العودة إلى التعمير مجددا.بالإضافة إلى تعددية الشخوص، بحيث نجد شخصية نوارة و العربي عنصران مركزيان في النص، و الخالة زينب و الزوجة ماريا و البنت سارة و أصدقاء الدراسة ( عمر،عبد الرحيم،سليمان)، السيدة لويزا التي ربت ماريا و أخرون في العمل كجاك و روبر و روني...إلخ. كل هذا يعطي النص طابع الكتابة الروائية و قابلية تسميته بنص روائي سردي.
رمزية الشخوص:
نوارة : الأمل في الرواية الذي عاد من أجله العربي في الأخير، تتخلق في رحمها تيمة الحب و تحمل على جبينها صفة الوطنية، فرغم الظروف التي عاشتها داخل مجتمع ذكوري حرمها من ممارسة ذلك الحب و داس على حقها في التمدرس و طعن في طفولتها بتزويجها بالشيخ و تهميشها في إدارة شؤون البلاد على اعتبار أن الأمر يخص الرجال و ليس النساء، لذلك بقيت نوارة جامدة وعاجزة عن النمو كما عجزت البلدة عن النمو والتغيير هي الأخرى.
العربي: الشخصية المركزية في النص، تمثل جيل ستينات و سبعينات القرن الماضي كما ذكرنا سلفا أبناء القرى،الأجيال التي عايشت حقبة سمية بالحماس الوطني و الرغبة في تحديث المجتمع و بناء أسباب تقدمه. فهو شخص حمل على عاتقه مسؤولية الأسرة خاصة و البلد عامة، و ذلك في ضرورة الحصول على العلم للرقي بالوضعية المزرية و إعانة العائلة من جهة و مساعدة أهل البلدة كما عبر عنه السارد في الصفحة 29 " يقسم الحاج الصغير وسط قهقهاتنا،بأغلظ الأيمان أن عروب قبل أن يسافر،وعده حين عودته بأن يساعده على تكبير الدكان و من يومها ينتظر بشغف عودة عروب...". ظل وفيا لحب نوارة رغم زواجه من المسيحية ماريا و تصنعه لثقافة لم يتعود عليها من قبل، فهو الشخصية الرئيسة التي أطرت مرجعية الرواية و المتمثلة في :
المرجعية السياسية: حيث عايش مرحلو طبعت صعود حركات التحرر و الثورة الثقافية الصينية و ثورة ماي 1968 بفرنسا، و شارك في حلقات النقاش و عاين اعتقال زميله عمر، كما أن المولودة سارة لم تكن محط صدفة بل كانت حلقة وصل و فصل في العلاقة بين الأنا و الأخر ( المجتمع العربي و المجتمع الغربي ).
المرجعية الإجتماعية : تتجلى في الفةارق الكائنة بين البلدة و المدينة و ما يميز الثانية عن الأولى هي صفة التحضر التي عبر عنها السارد بالطريق المبلط بالزفت الصفحة 70، و ظروف العيش الخانقة التي يصورها بعد عودته من المجر.
مرجعية الفضاء: حيث يلعب الفضاء في الرواية دورا حاسما في تسلسل الأحداث و تنظيمها، حيث بتعدد الوقائع ( الحوش، جزيرة الوقواق ) حيث اختار رابحي لشخصيته (العربي) أن تتحرك في مجتمع أخر أيضا، لتلامس قضايا الغيرية و أسئلتها الحارقة في علاقتها بالذات العربية كما يعبر عن ذلك الكاتب في الصفحة 68.عندما عرض العربي على سارة كتب في الثقافة العربية للتعرف على أصول أبيها، فقوبل ذلك بالرفض من قبل الزوجة مريا. "ماهذه الأفكار المسمومة التي تشحن بها ذهن الطفلة...هل جننت...ما الذي ستفيدها لغة ميتة...هل تريد العودة بها إلى القرون الوسطى...". فعمل العربي مهندسا هناك هناك وزواجه بالأجنبية والإنجاب منها لم يغير من نظرتها إلى أصوله حتى ترى في ذلك تقدما إيجابيا أو نقلة إيجابية...
الزوجة ماريا: الوهم الذي اشتراه العربي بثمن بقعة الأرض، والحلوى المعدية التي تذوقها. تمثل ثقافة المجتمع الآخر المناقض كليا للمجتمع العربي، أنست العربي في أصوله، أصبح يدين لها بكرامته وكل شيء، ينتظر مجيئها حتى وقت متأخر من الليل، الشيء الإيجابي الذي أضافته له هو إنجابها له الطفلة سارة التي كانت سببا في الرجوع إلى البلدة. هذا الرجوع دفعنا نتلمس أسئلة جوهرية كانتظار معالم ممكنة أخرى تتعلق برضخ ماريا لطلب الرجوعوالتعمير بالوطن الذي كانت تشمئز منه ؟.

تركيب:
تعتبر رواية نوارة لكاتبها عبد الإله رابحي، رواية تسعى إلى القبض على ذلك الزمن والفردوس المفقودين بشكل مركب يتضح من خلال البلاغة الأسلوبية التي نهجها الكاتب في الرواية- لغة طاعنة في كنايتها- والتي يجمع فيها الواقعي بالمتخيل قصد تصوير مجموعة من الجماليات تمهزلت وتنصلت عن قيمها ومبادئها، فالرواية هذه تخلقت في رحمها قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، تمتح أسلوبا جديدا بمواضيع كثيرة، تتراوح بين مختلف المرجعيات على رأسها التاريخية والتخييلية.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة