موند بريس

الدكتور محسن بن زاكور : تعليقي على ما جرى في حافلة الدار البيضاء

الدكتور محسن بن زاكور : تعليقي على ما جرى في حافلة الدار البيضاء

ما جرى في حافلة عمومية من تحرش واعتداء جنسي ومحاولة اغتصاب من طرف مجموعة من المراهقين لفتاة تبدو معاقة يجعلنا نطرح العديد من الأسئلة:
لماذا وصل الحال بأبناء وطننا إلى هذا المستوى الوحشي من السلوك؟ ما سر السلبية التي طغت على راكبي الحافلة تجاه الحدث الشنيع؟ ما مدى مسؤولية سائق الحافلة والمؤسسة المشغلة له في الحادث؟ وهل سيترك هذا الفعل أثرا في الضمير الجمعي المغربي؟
صحيح أن الجواب على هذه الأسئلة يستدعي أكبر من مقال ومن بحوث جامعية، ولكن سأكتفي بالقول بأن هذا الفعل الاجرامي يعيد إلى الواجهة الحديث عن أسس بناء المجتمع المغربي اليوم.
أبدأ بالجانب الاجرامي أولا: فيما يتعلق بمجموعة المراهقين، وكما يبدو من الفيديو المنتشر على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، فهم مراهقون تشكلوا في جماعة في غياب تام لحضور راشد مسؤول بينهم والتي يجب البحث عن القواسم المشتركة لها، وإن كان الظن يميل إلى التسكع وتلبية نزوات معينة.
ثانيا نفسيا، نحن نعرف بأن المحرك للاعتداء الجنسي في هذه الحالة هو متعدد، يشمل الدوافع الجنسية للمعتدين والتي قوى من شدتها، لدرجة المرور إلى الفعل، ضغط وتأثير المجموعة، وكذا تشييء الأنثى مما جعلهم يمنحوا لأنفسهم دور السيد المهيمن بينما على الضحية-الجسد أن تلعب دور الممتثل والمهيمن عليه وإلا تعرضت لعنف أقوى.
التسلط والاعتداء، فالاغتصاب لا يرتكز فقط على الجنس، بل هو وسيلة للاعتداء على الغير، والدليل في ذلك هو إحساس الضحية بالعنف والإذلال والإهانة، وهذا ما جعل المعتدين يحسون بنشوة الاعتداء والهيمنة على الضحية، والفيديو المذكور يوضح بشكل صارخ هذه النشوة البادية على وجوه المغتصبين.
هذا الانحراف الجنسي سيدفعنا للحديث عن البعد الاجتماعي لهذا الاغتصاب الجماعي بالحافلة،
ثالثا تربويا، أثبتت مجموعة من الدراسات العلمية أن الانحراف الجنسي هو تعبير عن فراغ روحي وتمثلي (ليست له صورة ذهنية سليمة عن الجنس) يعيشه الشخص المعني نتيجة غياب التربية الأسرية أو ضعفها وكذا عدم تلقي تربية جنسية سواء في المدرسة أو خارجها. فهم لم يستوعبوا ولم يتلقوا تربية حول لعلاقة مع الآخر وكيفية احترام الحريات والخصوصيات ولا كيفية التفاوض حول طبيعة العلاقة بين طرفين، ومن هنا سجلهم المعرفي في هذا المجال مبني على العنف وإقصاء الآخر لدرجة الاعتداء عليه لدرجة ممارسة أشد مظاهر العنف عليه. فالحب الذي نتعلمه من أمهاتنا يعلمنا رسم حدود الذات وحدود الجسد، وهذا ما نقصده بالأساس بالتربية الجنسية. لأنه في غيابها سيصبح سجل مراهقينا فيما يخص الجنس عصابيا مبنيا على العنف وعلى الممنوع وعلى السفاح وعلى زنى المحارم.
وتزداد قوة هذا السلوك الجنسي الشاذ عند المراهقين حين يمارس بشكل جماعي (جماعة الانتماء) تماما كما مارسه المعتدون بالأمس والذين كان هاجسهم حب الظهور الذي يعري شذوذهم وساديتهم وانحرافهم.
رابعا الضحية: لا يمكن أن نتنبأ بالأضرار النفسية العميقة والتي ستنضاف إلى الإعاقة الذهنية التي تعاني منها الضحية. فالاختلالات النفسية متعددة منها الإصابة بالهلع المرضي، الأرق، الكآبة، الاجهاد والقلق الناتج عن ما بعد الصدمة مما سيهدد لا محالة سلامة الضحية النفسية والجسدية والوجدانية.
ثم في الأخير، لابد من الإشارة إلى دور المتفرج الذي لعبه كل من ركاب الحافلة وسائقها، مما يستدعي التساؤل حول مدى تراجع قيم الجماعة والبطولة وروح المسؤولية في مجتمعنا. نحن شعب فقد حس الانتماء ووحدة المصير، وهذا ما يؤكده هذا الحدث الشنيع.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة