موند بريس

محمد أمزيان: الريف.. من يؤسس لخرافة الانفصال؟

محمد أمزيان: الريف.. من يؤسس لخرافة الانفصال؟

موند بريس 


عندما قاد الخطابي قومَه للدفاع عما تبقى من أرض ريفية محررة من الغزو الاستعماري، اتُّهم بأنه “روگي”؛ أي خارج عن السلطة المركزية، علما بأن السلطة المركزية لم يكن لها وجود فعلي آنذاك بسبب واقع الحماية. وعندما بدأ الخطابي يؤسس لمشروعٍ سياسي حداثي بديل عن مشروع الحماية، أُلصقت إليه تهمة “الفتنة” الانفصالية وسُلطت عليه الزوايا وشيوخ الطرق الدينية للقيام بمهمة تشويه أهداف مشروعه السياسي وحربه التحريرية. الماريشال ليوطي كان الوحيد الذي فهم مشروع الخطابي التحرري ولذلك خطط بذكاء لمحاربته بكل الوسائل. يمكن القول إن ليوطي ما يزال يحارب الريف إلى اليوم.
في القاهرة، ووجه الخطابي بحكاية الانفصال مرارا، وفي كل مرة كان يشرح لمن يريد أن يفهم، أنه لم يأت لإحلال عرش محل عرش آخر، بل هدفه هو الاستقلال والتحرر والسيادة الكاملة. في إحدى المرات – وهذه رواية تلقيتها مباشرة من شاهد عيان – قال لمن سأله عن “خلافه” المزعوم مع الملك محمد الخامس ما معناه: إذا أجلى الملك القواتِ العسكرية الأجنبية عن المغرب، فأنا مستعد أن أقف بوابا أمام قصره. كان هَمُّ الخطابي هوالحرية التي لا تقبل المساومة، وهَمُّ المؤسسين لخرافة انفصال الريف هو تأصيل شرعية التأسيس.
عندما انتفض الريفيون في نهاية الخمسينات لأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية (أشرنا إلى بعضها في مقال سابق)، اتُّهم الريفيون مجددا بالانفصال وبالتخابر مع الأجنبي: عبد الناصر، أمريكا، الاتحاد السوفيتي!! خليط عجيب لا يمكن جمعه، ومع ذلك تم استخدامه للتغطية على المسببات الحقيقية للانتفاضة. لو قالوا مثلا: نشم رائحة الخطابي في الانتفاضة لاقتربوا شيئا ما من الحقيقة، لكنهم آثروا تجاهل إرث الخطابي عمدا حتى يقطعوا كل شعرة – مهما كانت رفيعة – بين الريف والخطابي. ألم يورث ليوطي فهمه لمشروع الخطابي لمن جاء بعده من داخل المنظومة السياسية التقليدية؟ يمكن القول إن ليوطي ما يزال يحارب الريف إلى اليوم.
مشهد جولات الوالي الحالي في الريف؛ في القرى والبوادي والحارات يُذكِّر بمشهد جولات وزارية مشابهة إبان انتفاضة الريف نهاية الخمسينات. ففي الوقت الذي تجاهل فيه مؤسسو خرافة الانفصال مطالب المنتفضين، صدرت “أوامر” لتوزيع أكياس الطحين والسكر على الريفيين، وكأن الريفيين انتفضوا من أجل بطونهم وليس من أجل كرامتهم. وكأن وصية ليوطي ما تزال سارية المفعول. يمكن القول إن ليوطي ما يزال يحارب الريف إلى اليوم.
عندما بدأ حراك عشرين فبراير في بلدة بني بوعياش، لم يظهر أثر للأعلام الريفية، ثم فجأة ظهر علم واحد ثم أكثر فأكثر حتى صار يؤثث المشهد الاحتجاجي في الريف. أصارحكم القول إنني حِرت في تحديد هوية البوابة التي دخل منها ذلك العلم ساحة الاحتجاج، وبصراحة أكثر فقد اعتقدت في البداية أن لمؤسسي خرافة الانفصال يد فيها. قد أكون مخطئا في التقدير، بيد أن استقراء بعض محطات حكاية انفصال الريف، جعلتني أنظر للأمر بريبة حقيقية. ما وقع بعد ذلك يخرج عن نطاق السيطرة، فقد كثُرت الأيدي التي تلقفت ذلك العلم الذي يرمز لفترة مجيدة من تاريخ الريف الحديث والمعاصر، فأفقدتْ مؤسسي خرافة الانفصال رُشدَهم، لأنهم كانوا يعولون فقط على استثمار واقعة رفع بضعة أعلام ريفية لتعزيز أسطورتهم، ولم يخطر ببالهم أن تُبعث “هوية” العلم الريفي من الرماد.
خلاصة القول، لا تبحثوا عن الانفصاليين في الريف، ولا تبحثوا عنهم في بلجيكا أو هولندا ولا في إسبانيا ولا في المريخ. ابحثوا عنهم في أدراج السياسات العامة تجاه الريف. ابحثوا عنهم في سياسات ترقيع ما لا يمكن ترقيعه. الانفصالي الحقيقي هو من يعالج جروحا غائرة في الروح والجسد بمُسكِّنات الحمى العابرة. 

محمد أمزيان للمساء 



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة